وأن إلى ربك المنتهى…
close
الرئيسية / أقلام الحقيقة / وأن إلى ربك المنتهى…

وأن إلى ربك المنتهى…

وأن إلى ربك المنتهى…
أقلام الحقيقة
رشيد غلام 05 مايو 2026 - 16:00
A+ / A-

وأن إلى ربك المنتهى…

من زاوية في غرفة المستشفى مسجى بين يدي الرضى في كنف العناية الإلهية مريض، أكتب لكم هذه الخواطر المسبحة بإسم ربها، والموقنة في كرمه وجوده.

لست أكتب عن المنته ، لإحساس دنوه. فقط تدبرا فيه، إذ أن حالة المريض في تدهور صحته و ضعفه؛ تشبه حالة انتهاء مسيرته وقرب انقضاء أجله على العموم الأغلب. وإلا فانقضاء الأجل ليس له علامات.
أشارككم هذه الخواطر، بقلب فارغ خال من كل الآمال والمطامح والتعلق ؛ إلا من أمل جم في أن يرضى الله عنه كمال الرضى، ويسبغ عليه نعمة العافية.

كل شيء ينتهي إلى الله عز و جلّ. والإنسان في تقلب أحواله إلى ربه سائر، ومنتهاه إليه صائر. كقطرة ماء تبلغ مداها وتصل إلى محيطها ومنتهاها، بعدما فُصلت عنه و طافت في رحلة الحياة بين السحاب والترب والأنهار، وخالطت الأجسام في النبات والذوات. تعود من غربتها الطويلة إلى مداها بعدما شقت مسافة بعيدة في التنقل والتقلب بين الأعراض.
في حالة قرب الإنسان إلى المنتهى؛ يتذكر الإنسان كل من لقيهم في حياته بالأخص من علق به شيء منهم أو تعلق بهم شيء منه . يتذكر الأهل والوالدين من كانوا سبب في وجوده ، ويتذكر الأولاد من كان هو سببا لوجودهم ، يتذكر الأخوان والخلان والأصدقاء ، تُحضر له ذاكرته الصبا والشقاوة و النشط والشباب.

يتذكر ما مر عليه من فعل وترك وأحداث، ويعلم يقينا أن كل هذه الأحداث ؛ كانت تدفعه وتصنعه لأجل محتوم ومنتهى بصفة معينة، أجلٍ لا محيد له عنه . مقدر في أزل الله السابق. وما الدنيا إلا تحقيق لما دبرته المشيئة الحكيمة. تتذكر ليلة غلبك فيها البكاء من وجع ، وتتذكر انتعاشة وفرحة عشتها بملامسة موج البحر.

تتذكر مواقف الناس الأوفياء الذي دعموك وتتذكر غيرهم الذين خذلوك ، تتذكر كل حُنو اكتنفك، وكل جرح آلمك.

كنت تكبر ويتقدم بك العمر ، كنت تسعى إلى نهايتك في الحقيقة ، و كنت تستنفذ رصيدك من الأنفاس المحددة لك . و كنت تقترب من المنتهى المحتوم ، كانت كل ذرة فيك تطلب مستقرها وكانت الروح منك تسعى إلى بارئها العظيم.

كل شيء كان يسعي بك إلى الله منتهاك ، من عنده سبحانه كان البدءُ ، عندما كنت عينا ثابتة . ثم أوجدك خلقا على أحسن ما يكون الإيجاد، إنساناً على صورته في عالم الامكان، ونفخ فيك من روحه، وإليه يصير الانتهاء بعد رحلة الخلق والابتلاء. تحور كل المُوجدات إليه . منهم من انتبه إلى أن الحياة فقط رحلة ابتلاء وأن إلى ربك الرجعى ،ومنهم من ألهته الحياة عن المصير والإياب. وغفل بالأشياء والزمان و الأهواء عن السير إلى الله .
يتذكر الإنسان أن حبَّه للخير ، أو مَا تصوره خيرا له ، في صورة حب الأشياء و الحضوات والأشخاص هو الذي انتهى به إلى هذا المنزل الأخير . قدرا مقدورا، و استجابة قدرية مطيعة لأمر الله الوجودي، إنفاذا للقانون الالهي ( ز’ُيّن) ، وهذا الحب العظيم هو نفسه توحد ليسوقه وجودا إلى الانتهاء الأخير .

عبر كل شيء كان الله يناديك إليه ، عساك تجيب من قريب المسالك وتسعى إليه ، بالمرض والفقر والعجز والخير و السعادة ، كان يقهرك لتنتبه للرجعى ، بالفَقد للناس والأشياء والأماكن والأحوال حتى لاتركنَ لشيء يعطل سعيك ، ولتنتبه أن كل شيء إلى زوالٍ، إلا وجهه الكريم سبحانه. وكان يُطعمك ذوق السعادة لتحن إلى السعادة العظمى الابدية .
كل من صادفتهم في حياتك صنعوك، وكل ما فعلته صنعك، كل ألم و وجد وفقد و سرور صنع نموذجك، صنع وجدانك وكيانك الذي تنتهي عليه ، و بحكم المشيئة لم تكن لتكون على غير ما أنت عليه .فلتسكن إلى المشيئة الأزلية القديمة ، و تطئمن أن عاقبتك مرادةً له سبحانه وهي محمودةٌ لأنها فعلُ الحميد. فتأهب للقاء الله الذي اختار لك أحسن ختام يليق بك ، في كل الأحوال ذاك أحسن ختام يليق بك. صنعه مدبر حكيم له الحكم و الأمر .

توالت على قلبك كل المشاعر وأضدادها، في شخوص من البشر أمثالك ، حتي تطهر بمخالطتهم أو تنجس ، و حتى يلبسَ قلبك الخلعة التي تليق به ، و تجهد نفسك أن تأتي الله بقلب سليم.

نحن نعرف بالقياس والمماثلة كيف يكون اللقاء بالحبيب ، وكيف يأنس الوليد بحضن أمه ، وكيف يرتاح العاشق لمعشوقه ، لكن يعجز الخيال أن يعرف كيفية اللقاء بالله عز وجل، وكيفية الانتهاء إليه.ترى كيف القدوم على الله ايها العبد الأواه ؟ كيف القدوم على الباري الذي خلقك وسواك وعدلك في أحسن صورة ؟ كيف القدوم على الله بعد هذه الرحلة العظيمة بابتلائها شرا وخيرا، قبضا وبسطا ؟
لابد أنه جميل لأنه مع الله اللطيف الودود الكريم .
لا تجعل تسميات الاخرة و صفاتها تلهيك على أن الأمر لقاء بالله في مضمونهِ . ولاتدع منازل القبر والبعث والنشور ، تنسيك أن الغاية لقاء بالله ، ورجوع اليه .

المنتهى إلى الله سبحانه، و لك أن تختار في الحياة الدنيا صورة الوجه الذي تريد أن تقابله به ، وشكل الصفة التي تريد أن تخلد بها في جواره الكريم. في درج السعداء به ، في الدنيا جعل لك ميدان تحقيق ذلك ، وعرفك كيف ذلك وأرسل لك من يعينك عليه .

في حال المنتهى يشغل الإنسان السؤال عن الله سبحانه عزوجل، إذ انك صائر اليه . هل هو خالق قادر؛ قدر الأقدار وأنزل الشرائع، وأمرك ونهاك ، وسينصب لك الميزان يوم الحساب، أم هو مدبر حكيم صانع مقتدر أجرى الأمور على نحو حكمته فهي تسير إلى مقتضى الانتهاء الذي شاء لها. أو حبيب لطيف كريم فطر الوجود بمحبته ،و أوجدك لأنه أحبك أول مرة ، أحبك في توجهه الأول لك بالإيجاد. تعلقت إرادته بك، أحبك في خلقك وجلب الإرفاق إليك نفعا ودفعا ، ولطف بك في كل تصاريف حياتك حتى يوصلك إليه ، وينتهي أمرك في واسع فضله ، كما ابتدأ في الاول ( كما بدأنا أول خلق نعيده. )

إلى الله المنتهى، بانتهاء الجسد إلى تربة خلق منها ، ودخول الروح إلى عالم الملكوت، عبر فَوهة الموت. حيث تتحرر من أسر الجسد وسجنه وضيقه ، وتكتشف الروح انها نفحة لطيفة من الله، فتنطلق إلى رحاب الله في الملكوت وبحر الخلود .

نعيده من حيث بدأ. هو الآن في رحلة و غربة، وشوقه إلى داره وأنسه الحقيقي في مزاره. كانت دنياه امتحان. وكان جسده قفص .

إلى الله المنتهى ، منتهى الآمال والأعمال و المطامح، منتهى كل ساعٍ وكادٍّ وخامل ، منتهى كل حركة كل ذرة و نئمة، منتهى كل نسمة ، منتهى كل موجود ، منتهى الرحلة تلتقي الطيور بالسميدغ، تلتقي من كانت تصعد إليه أنفاسك، وآهاتك، وعملك الطيب، تلتقي النجوى بسامعها ، والشكوى بمجيبها ،يلتقي الطالب بالمطلوب ، والمحب بالمحبوب .
انه يوم عرسك الكبير، وعيدك المزهر ، وتحفتك المخبوءة . انه اللقاء بالكريم الأبدي و النهاية المرتقبة. انه اللقاء الاخير ، الوصول الذي لا انتقال بعده ، لقاء الإنسان بالله.
لا إله إلا الله محمد رسول الله.
كتبه الراجي كرم ربه وعظيم عطائه رشيد غلام
من مستشفى بلندن

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة