ماذا بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون 66-23؟ قراءه في السياق و الدلالات
close
الرئيسية / أقلام الحقيقة / ماذا بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون 66-23؟ قراءه في السياق و الدلالات

ماذا بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون 66-23؟ قراءه في السياق و الدلالات

أقلام الحقيقة

ليست هذه أول مرة تجد فيها مهنة المحاماة في المغرب نفسها أمام مثل هذه المحن و اللحظات الصعبة، فلقد مرت تحت جسر تاريخها المديد محطات مست في أدوارها ورسائلها لكونها مهنة التماس بين الدولة و مؤسساتها و المرتفق ولكونها بالطبيعة مصطفة دائما مع دولة القانون والدفاع عن الحرية و الحقوق الشيء الذي كان السبب الرئيسي لمعظم متاعبها ، ومن رحمها خرج رجال ونساء ساهموا في بناء الوعي الوطني والديمقراطي، وفي حماية المؤسسات، وفي تأطير التحولات الكبرى التي عرفها المغرب.

وكانت منحازة ولا تزال الى الوطن وقضاياه العادلة فالدول الديمقراطية الحديثة لا تخشى المحاماة القوية، بل تعتبرها إحدى دعائم الاستقرار المؤسساتي والتوازن الحقوقي. فالمحامي المستقل ليس خصما للدولة، وإنما شريك في تحقيق العدالة، وضامن لسلامة المساطر، وحائط صد ضد التعسف والانتهاك فالمحاماة في جوهرها، ليست امتيازات مهنية، وليست قطاعا يبحث عن مصالح فئوية، بل هي جزء من الضمانات الأساسية لدولة الحق والقانون. ولذلك، فإن كل مساس باستقلالية الدفاع لا يطال المحامي وحده، وإنما يمس المواطن في حقه في الإنصاف، ويمس المجتمع في توازنه، ويمس الدولة نفسها في صورتها الحقوقية والدستورية. ولم تكن قوة المحاماة يوما مصدر تهديد للدولة بل كانت دائما ضمير المجتمع الحي ودعامة للأمن القانوني والقضائي للمواطن.

لكن ربما يعد السياق الذي مر به هذا المشروع و في نهاية الولاية التشريعية لهذه الحكومة و نحن في مرحلة ما بعد مصادقة مجلس النواب مساء يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 عليه بحضور باهت لنواب الأمة و بمناقشة مترددة تغلب عليها لغة الأمر الواقع التي وضع بها الوزير المكلف بقطاع العدل صيغة المشروع للمناقشة ، بشكل يهز بعنف كل تلك اليقينيات السالفة حول طبيعة المهنة و أدوارها ، ففي اللحظات الفارقة من تاريخ المهن الكبرى، لا يكون النقاش حول النصوص القانونية مجرد اختلاف تقني حول مواد وفصول، بل يتحول إلى سؤال عميق يتعلق بالمكانة التي نمنحها للحقوق والحريات داخل المجتمع ، و الى موقع رسالة الدفاع داخل الدولة، أو بالأحرى أي محاماة تريدها الدولة في المغرب .

وإذا كان الجميع قد استبشر خيرا بانطلاق مسلسل الحوار المؤسساتي حول مشروع قانون المهنة، وما رافقه من نقاشات مسؤولة وتوافقات إيجابية مع رئاسة الحكومة، بسبب الخطاب الإيجابي الذي طبع الحوار، والقائم على الاعتراف بدور المحاماة كشريك في تحقيق العدالة، لا كوظيفة مرفقية تنظم بقانون ، فان المحاميات و المحامين في حالة ذهول من انهيار تلك الوعود ،ولم يجدوا تفسيرا لهذا الانقلاب غير المفهوم بدأ بمناقشات لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان والحريات، بالتراجع على ما تم الاتفاق عليه ، فلقد كان من المنتظر أن يشكل مشروع القانون فرصة تاريخية لتحديث المهنة وتقوية أدوارها وتحصين استقلاليتها، انسجاما مع الدستور المغربي ومع المعايير الدولية ذات الصلة باستقلال مهنة الدفاع، غير ان الملاحظ سيادة نزعة مرتدة نحو التراجع عن العديد من المكتسبات والتوافقات، بما يهدد بتحويل الإصلاح التشريعي إلى مصدر توتر واحتقان بدل أن يكون مدخلا للتطوير والتحديث.

فلماذا هذا النكوص التشريعي المفاجئ ولماذا الالتفاف على مخرجات الحوار والتوافقات التي شكلت أساسا لبناء الثقة بين الدولة ومؤسسات المحاماة ولماذا الإصرار على تمرير مقتضيات تمس باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع التي تعد مكتسبات المحامين جيلا بعد جيل.
ان المحامين في شخص مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب وطيلة سنوات من الترافع على قانون المهنة كانوا يخرجون دائما منهزمين في معركة التشريع ولكن منتصرين في معركة الأخلاق لأنهم تعتبرون دائما الدولة طرفا موثوقا ،و وعودها مضمونة و ذلك من شدة ايمانهم بمؤسسات الدولة واحترام مصداقيتها التي وضعوا عليها كل آمالهم ، و لم تعتمد الجمعية المناورة و لا الاستقواء طيلة جلوسها على طاولة الحوار بل حركها الوازع الوطني و الدفاع عن قضايا المجتمع ومرتفقي العدالة ، فأخطر ما يمكن أن يقع اليوم هو أن يتحول سوء تدبير هذا الورش إلى شرخ غير مبرر بين الدولة والمحاماة. لأن العلاقة بينهما لم تكن في يوم من الأيام علاقة خصومة ، ولا يمكن لأي دولة حديثة أن تكسب رهان الديمقراطية دون محاماة مستقلة، وقادرة على أداء رسالتها الأخلاقية فلا يمكن أن نبني عدالة قوية بدفاع ضعيف.

إن اللحظة الراهنة تستدعي الحكمة والإنصات والعودة إلى منطق الحوار الحقيقي والوفاء بالالتزامات والتوافقات، لأن الإصلاحات الكبرى لا تبنى بمنطق الغلبة، وإنما تبنى بالشراكة والثقة والاحترام المتبادل، فقد يربح أي طرف معركة النص القانوني، لكن الأهم هو نربح جميعا ثقة المجتمع في العدالة.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة